الحسين بن نصر ابن خميس

40

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار

ولا تغترّنّ بملكك ، وقدرتك ، وسلطانك ، وخدمك ، ولذّتك ، وشهوتك ، فإنّ الذي أنت فيه جسيم ، لولا أنّه عديم ، وهو ملك لولا أنّه هلك ، وهو فرح وسرور ، لولا أنّه لهو وغرور ، وهو يوم لو كان يوثق له بغد ، فسارع إلى أمر اللّه ؛ فإنّه يقول : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ . . . [ آل عمران : 133 ] . فانتبه فزعا ، وقال : هذا تنبيه من اللّه وموعظة ، فخرج من ملكه ، ولم يعلم أحدا ، وقصد هذا الجبل ، فتعبّد فيه ، فلمّا بلغني خبره ، هاجرت إليه ، وسلّمت عليه ، وسألته عن حاله ، فحدّثني ببدوّ أمره ، وحدّثته ببدوّ أمري ، فما زلت أتردّد إليه حتّى مات ، رحمه اللّه ، وهذا قبره « 1 » . وقال : على القلب ثلاثة أغطية : الفرح ، والحزن ، والسّرور ، فإذا فرحت بالموجود ، فأنت حريص ، والحريص محروم ، وإذا حزنت على المفقود ، فأنت ساخط ، والسّاخط معذّب ، وإذا سررت بالمدح ، فأنت معجب ، والعجب يحبط العمل ، ودليل ذلك قوله تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ « 2 » [ الحديد : 23 ] . وقال : رأيت في المنام كأنّ جبريل عليه السّلام نزل إلى الأرض ، فقلت : لم نزلت ؟ . فقال : لأكتب المحبّين . فقلت : مثل من ؟ قال : مثل مالك بن دينار ، وثابت البناني ، وأيوب السّختياني . وعدّ جماعة ، فقلت : أنا منهم ؟ قال : لا . قلت : فإذا كتبتهم ، فاكتب تحتهم « 3 » محبّ المحبين . فقال : قد أمرني اللّه أن أكتبك في أوّلهم « 4 » . وقال في قوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [ فاطر : 32 ] ، فقال : السّابق مضروب بسوط المحبّة ، مقتول

--> ( 1 ) الحلية 8 / 33 ، المختار 1 / 234 . ( 2 ) الحلية 8 / 34 ، المختار 1 / 246 . ( 3 ) في ( أ ) : فاكتب محبّهم . ( 4 ) حلية الأولياء 8 / 34 ، المختار 1 / 235 .